Wednesday, October 2, 2013

نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله

تقسيم التوحيد:
أقول هذا التقسيم استقرائي لدى متقدمي علماء السلف أشار إليه ابن منده وابن جرير الطبري وغيرهما، وقرَّره شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وقرَّره الزبيدي في تاج العروس وهو استقراء تام لنصوص الشرع، وهو مطرد لدى أهل كلِّ فنٍّ، كما في استقراء النحاة كلام العرب إلى اسم وفعل وحرف، والعرب لم تفه هذا، ولم يعتب على النحاة في ذلك عاتب، وهكذا من أنواع الاستقراء.

وهذه أقوال العلماء السابقين لابن تيمية في تقسيم التوحيد:

1- قال الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت المتوفى سنة 150هـ في كتابه الفقه الأوسط :
يدُعى من أعلى لا من أسفل؛ لأنَّ الأسفل ليس الأوسط وصف الربوبية والألوهية في شيء.
فقوله: "يُدعى من أعلى لا من أسفل" إثبات العلو لله، وهو من توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: "من وصف الربوبية" فيه إثبات توحيد الربوبية.
وقوله: "والألوهية": فيه إثبات توحيد الألوهية.

2-قال ابن منده في كتابه "التوحيد": أخبرنا محمد بن أبي جعفر السرخسي ثنا محمد بن سلمة البلخي ثنا بشر بن الوليد القاضي عن أبي يوسف القاضي (يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الكوفي صاحب أبي حنيفة المتوفى سنة 182هـ) أنه قال: ليس التوحيد بالقياس، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل في الآيات التي يصف بها نفسه أنه عالم قادر، مالك، ولم يقل: إني عالم قادر، لعلة كذا أقدر، بسبب كذا أعلم، وبهذا المعنى أملك، فلذلك لا يجوز القياس في التوحيد، ولا يعرف إلا بأسمائه، ولا يوصف إلا بصفاته، وقد قال الله تعالى في كتابه: يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون الآية، وقال: أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء، وقال: إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر الآية.
قال أبو يوسف: لم يقل الله: انظر كيف أنا... وكيف أنا القادر وكيف أنا الخالق، ولكن قال: انظر كيف خلقت، ثم قال: والله خلقكم ثم يتوفاكم، وقال: وفي أنفسكم أفلا تبصرون أي تعلم هذه الأشياء، لها رب يقلّبها ويبديها ويعيدها،... مُكوَّنٌ ولك مَن كونك، وإنما دلَّ الله عز وجل خلقه بخلقه ليعرفوا أن لهم ربا يعبدونه ويطيعونه ويوحدونه، ليعلموا أنه مكونهم، لا هم كانوا، ثم تسمَّى، فقال: أنا الرحمن، وأنا الرحيم وأنا الخالق وأنا القادر وأنا المالك،... هذا الذي كونكم يُسمى المالك القادر الله الرحمن الرحيم، بها يوصف.
ثم قال أبو يوسف: يُعرف الله بآياته وبخلقه، يُوصف بصفاته، ويُسمى بأسمائه كما وصف في كتابه، وبما أدَّى إلى الخلق رسوله.
ثم قال أبو يوسف: إن الله عز وجل خلقك وجعل فيك آلات وجوارح، عجز بعض جوارحك عن بعض، وهو ينقلك من حال إلى حال، لتعرف أن لك ربا، وجعل فيك نفسك عليك حجة بمعرفته تعرف بخلقه، ثم وصف نفسه فقال: أنا الرب وأنا الرحمن، وأنا الله وأنا القادر، وأنا المالك، فهو يوصف بصفاته ويُسمى بأسمائه، قال الله تعالى: قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى، وقال: ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه، وقال: ((لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ << ، فقد أمر الله أن نوحده، وليس التوحيد بالقياس ؛ لأن القياس يكون في شيء له شبه ومثل، فالله تعالى وتقدس لا شبه له ولا مثيل له تبارك الله أحسن الخالقين.
ثم قال: وكيف يُدرك التوحيد بالقياس، وهو خالق الخلق بخلاف الخلق، ليس كمثله شيء تبارك وتعالى وقد أمرك الله عز وجل أن تؤمن بكل ما أتى به نبيه صلى الله عليه وسلم ، فقال: قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون، فقد أمرك الله عز وجل بأن تكون تابعًا سامعًا مطيعًا، ولو يوسَّع على الأمة التماس التوحيد وابتغاء الإيمان برأيهم وقياسهم وأهوائهم إذًا لضلوا، ألم تسمع إلى قول الله عز وجل: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن، فافهم ما فسر به ذلك.
ورواه أيضًا الإمام الحافظ قوام السنة أبو القاسم إسماعيل التيمي الأصبهاني المتوفى سنة 535ه في كتابه "الحجة في بيان المحجة وشرح التوحيد ومذهب أهل السنة"، ولأهميته عنده خصَّه بفصل مستقل فقال: "فصل في النهي عن طلب كيفية صفات الله عز وجل"، وذكره بإسناده من طريق السرخسي به.
(وأثر أبي يوسف) هذا الذي رواه هذان الإمامان عظيما القدر، مشتمل على أقسام التوحيد الثلاثة: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية وتوحيد الأسماء والصفات.

3-قال الامام ابن بطة في كتابه " الابانة عن شريعة الفرقة الناجية":
(وذلك أن أصل الايمان بالله الذي يجب على الخلق اعتقاده في إثبات الايمان به ثلاثة أشسياء:
احدها: ان يعتقد العبد ربانيته ليكون بذلك مباينا لاهل التعطيل الذين لا يثبتون صانعا.
والثاني: ان يعتقد وحدانيته ليكون مباينا بذلك أهل الشرك الذين أقروا بالصانع وأشركوا معه في العبادة غيره.
والثالث: أن يعتقده موصوفا بالصفات التي لا يجوز إلا أن يكون موصوفا بها من العلم والقدرة والحكمة وسائر ما وصف به نفسه في كتابه … ولأنا نجد الله تعالى قد خاطب عباده بدعوتهم الى اعتقاد كل واحدة من هذه الثلاث والايمان بها ) اهـ.

4-قال ابن جرير الطبري المتوفى سنة 310هـ في تفسير قوله تعالى: فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك: "فاعلم يا محمد أنه لا معبود تنبغي أو تصلح له الألوهية، ويجوز لك وللخلق عبادته إلا الله الذي هو خالق الخلق، ومالك كلّ شيء يدين له بالربوبية كلّ ما دونه".

4- قال الإمام أبو جعفر الطحاوي المتوفى سنة 321هـ في مقدمة متنه في العقيدة المشهور بالطحاوية: "نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله: إن الله واحد لا شريك له، ولا شيء مثله، ولا شيء يعجزه، ولا إله غيره".
فقوله: "إن الله واحد لا شريك له" شامل لأقسام التوحيد الثلاثة، فهو سبحانه واحد لا شريك له في ربوبيته، وواحد لا شريك له في ألوهيته، وواحد لا شريك له في أسمائه وصفاته.
وقوله: "ولا شيء مثله"، هذا من توحيد الأسماء والصفات.
وقوله: "ولا شيء يعجزه" هذا من توحيد الربوبية.


5-وقال العلامة ملا علي القاري : ( فابتداء كلامه سبحانه وتعالى في الفاتحة بالحمد لله رب العالمين يشير الى تقرير توحيد الربوبية ، المترتب عليه توحيد الالوهية ، المقتضي من الخلق تحقيق العبودية ، وهو ما يجب على العبد أولا من معرفة الله سبحانه وتعالى . والحاصل أنه يلزم من توحيد العبودية توحيد الربوبية دون العكس في القضية ؛ لقوله تعالى " ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله " وقوله سبحانه حكاية عنهم : " ما نعبدهم إلا ليقربونا الى الله زلفى " بل غالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد ، بل القرآن من أوله إلى آخره في بيانهما وتحقيق شأنهما .فإن القرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته وأفعاله ، فهو التوحيد العلمي الخبري ، وإما دعوته إلى عبادته وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دونه ، فهو التوحيد الارادي الطلبي ، وإما أمر ونهي وإلزام بطاعته فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته ، واما خبر عن إكرامه لاهل التوحيد وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في العقبى فهو جزاء توحيده ،واما خبر عن اهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال وما يحل بهم في العقبى من العذاب والسلاسل والاغلال ، فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد .
فالقرآن كله في التوحيد وحقوق أهله وثنائهم وفي شأن ذم الشرك وعقوق أهله جزائهم ) اهـ
شرح الفقه الاكبر ص 15



والله تعالى أعلم.

No comments:

Post a Comment